الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
56
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
غزوة بني المطلق على الصحيح ، والحكم الثابت في سورة النور أشدّ من العقوبة المذكورة هنا ، ولا جائز أن يكون الحدّ الذي في سورة النور قد نسخ بما هنا لأنّه لا قائل به . فإذا مضينا على معتادنا في اعتبار الآي نازلة على ترتيبها في القراءة في سورها ، قلنا إنّ هذه الآية نزلت في سورة النساء عقب أحكام المواريث وحراسة أموال اليتامى ، وجعلنا الواو عاطفة هذا الحكم على ما تقدّم من الآيات في أوّل السورة بما يتعلّق بمعاشرة النساء ، كقوله : وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً [ النساء : 4 ] وجزمنا بأنّ أوّل هذه السورة نزل قبل أوّل سورة النور ، وأنّ هذه العقوبة كانت مبدأ شرع العقوبة على الزنا فتكون هاته الآية منسوخة بآية سورة النور لا محالة ، كما يدلّ عليه قوله : أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا قال ابن عطية : أجمع العلماء على أنّ هاتين الآيتين منسوختان بآية الجلد في سورة النور . ا ه ، وحكى ابن الفرس في ترتيب النسخ أقوالا ثمانية لا نطيل بها . فالواو عاطفة حكم تشريع عقب تشريع لمناسبة : هي الرجوع إلى أحكام النساء ، فإنّ اللّه لمّا ذكر أحكاما من النكاح إلى قوله : وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً وما النكاح إلّا اجتماع الرجل والمرأة على معاشرة عمادها التأنّس والسكون إلى الأنثى ، ناسب أن يعطف إلى ذكر أحكام اجتماع الرجل بالمرأة على غير الوجه المذكور فيه شرعا ، وهو الزنا المعبّر عنه بالفاحشة . فالزنا هو أن يقع شيء من تلك المعاشرة على غير الحال المعروف المأذون فيه ، فلا جرم أن كان يختلف باختلاف أحوال الأمم والقبائل في خرق القوانين المجعولة لإباحة اختصاص الرجل بالمرأة . ففي الجاهلية كان طريق الاختصاص بالمرأة السبي أو الغارة أو التعويض أو رغبة الرجل في مصاهرة قوم ورغبتهم فيه أو إذن الرجل امرأته بأن تستبضع من رجل ولدا كما تقدّم . وفي الإسلام بطلت الغارة وبطل الاستبضاع ، ولذلك تجد الزنا لا يقع إلّا خفية لأنّه مخالفة لقوانين الناس في نظامهم وأخلاقهم . وسمّي الزنا الفاحشة لأنّه تجاوز الحدّ في الفساد وأصل الفحش الأمر الشديد الكراهية والذمّ ، من فعل أو قول ، أو حال ولم أقف على وقوع العمل بهاتين الآيتين قبل نسخهما . ومعنى : يَأْتِينَ يفعلن ، وأصل الإتيان المجيء إلى شيء فاستعير هنا الإتيان لفعل شيء لأنّ فاعل شيء عن قصد يشبه السائر إلى مكان حتّى يصله ، يقال : أتى الصلاة ، أي صلاها ، وقال الأعشى :